خليل المتبولي: أناديكم… حين يصير الصوت مقاومةً والوطن أغنيةً لا تموت

 




بقلم : خليل ابراهيم المتبولي


حين رحل أحمد قعبور، لم يترك فراغًا بقدر ما ترك امتلاءً يصعب احتماله؛ كأنّ صوته تكسّر في الهواء وتوزّع علينا، فصار لكلّ واحدٍ منّا حصّته من النداء. أناديكم… ليست كلمةً تُقال، بل حالةٌ تُعاش، رجفةٌ خفيّة في القلب كلما شعرنا أنّنا نبتعد عن أنفسنا. أناديكم… فنلتفت، لا لأن أحدًا ينادينا من الخارج، بل لأن شيئًا في الداخل يرفض الصمت، يرفض أن يصير هذا العالم عاديًا إلى هذا الحد.


لم يكن نداؤه محصورًا بحدودٍ ضيّقة، ولا بصوتٍ يعرف الجغرافيا كقيدٍ نهائي، بل كان يتّسع كلما قيل، كأنّه يولد من جديد في كلّ من سمعه. أناديكم… للقدسِ حين تضيق بها الأسوار، لنبضِ الضفّةِ وهي تقاوم صمت العالم، ليافا التي ما زالت تحفظ رائحة البحر في حجارتها، لحيفا التي تقف على شرفتها كأغنيةٍ لا تنكسر، ولعكّا التي تعرف كيف تحوّل الحصار إلى ذاكرةٍ من صمود. هناك، في تلك المدن، لم يكن الصوت غريبًا، بل كان يعرف الطريق… كأنّه يعود إلى بيته الأول.


نحن الناس، أولئك الذين يمشون على حافة التعب ويصنعون من يومهم خبزًا للغد، نحن الجنوبيون الذين كتبوا أسماءهم على ترابٍ يعرفهم ويعرف خطاهم، فإذا ضاعوا دلّ عليهم، وإذا تعبوا أسند ظهورهم. فينا شيءٌ من أغنيةٍ قديمة، شيءٌ من موالٍ لا ينتهي، كأنّ الحزن نفسه تعلّم منّا كيف يصير قابلًا للعيش. وحين نقول "والله وطلعناهم برا"، لا نقولها كجملةٍ مكتملة، بل كنبضٍ مفتوح، كذاكرةٍ لا تهدأ، كأنها بابٌ نطرقه كلما خفنا أن نخسر ما تبقّى من قدرتنا على الصمود.


وفي الطرقات التي لا تشبه إلا أصحابها، يمرّ صوتٌ خافت: يا رايح صوب بلادي… فنشعر أنّ المسافات ليست جغرافيا، بل امتحانٌ للحنين. كلّ راحلٍ يحمل جزءًا منّا، وكلّ عائدٍ يعيد إلينا ما فقدناه دون أن ندري. البلاد ليست مكانًا فقط، بل ما يتبقّى فينا منها حين نبتعد، ما يظلّ يرافقنا كظلٍّ خفيف، كأغنيةٍ لا نتذكّر كلماتها كاملة لكننا نحفظ لحنها عن ظهر قلب.


وبين هذا وذاك، يرتفع صوتٌ آخر: بدي غني للناس… كأنّ الغناء صار ضرورةً لا ترفًا، كأنّ الكلمة إذا لم تُقال تختنق في صدورنا. نغنّي لأننا نخاف الصمت، لأن الصمت يشبه الهزيمة، ولأن الصوت، مهما كان ضعيفًا، هو شكلٌ من أشكال النجاة. وحين تُعلّى البيارق، لا تُعلّى فوق السطوح فقط، بل في داخلنا، في تلك المساحة الصغيرة التي ما زالت تؤمن أنّ الكرامة ممكنة، وأن الانكسار ليس قدرًا نهائيًا.


ثمّ، فجأةً، يلين كلّ هذا الصخب… تظهر الأمّ كأوّل معنى، كأوّل دفء، كأنّ العالم كلّه يمكن اختصاره في نظرةٍ منها. أمي… ليست كلمة، بل أرضٌ نعود إليها كلما تاهت بنا الطرق. ومن بعيد، كأنّ الزمن نفسه يتقدّم ببطء، تمشي "يا ستي" بحكاياتها، تحمل في صوتها بيوتًا قديمة، ونوافذ مفتوحة، وليلًا طويلًا كان الناس فيه أكثر قربًا من بعضهم. هناك، في تلك التفاصيل الصغيرة، نفهم أنّ الحياة ليست ما يحدث في العناوين الكبرى، بل ما يبقى في الهامش، في اللمسة، في الذاكرة.


وبين ذاكرةٍ تشبه الحلم وواقعٍ يثقل كالحجر، تقف بيروت يا بيروت، كأنها امرأةٌ تعرف كيف تخبّئ وجعها تحت زينتها، كيف تبتسم رغم كلّ ما فيها من انكسارات. مدينةٌ لا تُحكى، بل تُعاش، كأنها أغنيةٌ طويلة لا نصل إلى نهايتها. وعلى مقربةٍ من القلب، تلوّح صيدا، زهر البساتين، كأنها وعدٌ بسيط: أن الجمال ما زال ممكنًا، أن البحر يعرف أسماءنا، وأن الأزقّة تحفظ خطانا حتى لو غبنا.


وهكذا، لا تعود الأغنيات عناوين منفصلة، بل تصير نسيجًا واحدًا، حياةً كاملة تتداخل فيها الأصوات والوجوه والذكريات. كأننا نمشي داخل أغنيةٍ كبيرة، لا بداية واضحة لها ولا نهاية، نلتقي فيها بأنفسنا أكثر مما نلتقي بغيرنا. وكأنّ صوت أحمد قعبور، الذي ظننّاه غاب، لم يفعل سوى أن يتوارى قليلًا ليصير أقرب: في كلامنا، في حنيننا، في قدرتنا على أن نقول، رغم كل شيء… أناديكم.

تعليقات